الشيخ السبحاني
287
رسائل ومقالات
يلاحظ عليه : أنّ الاختلاف في الإمامة بعد أيام الخلفاء وإن أصبح اختلافاً كلامياً ، فذهبت الشيعة إلى أنّها تنصيصية والسنّة إلى غيرها ، لكن الاختلاف يوم ارتحل الرسول لم يكن اختلافاً في قاعدة دينية ، وجدالًا في مسألة كلامية بل كان جدالًا سياسياً محضاً ، لم يكن مبنياً على قاعدة دينية ، إذ كان علي عليه السلام وأهل بيت النبي ولفيف من شيعة الإمام بعيدين عن السقيفة وما جرى فيها ، مشغولين بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمّا الأنصار فكانوا يرون أنفسهم أولى بإدارة الأمور لأنّهم آووا النبي ونصروه ، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعشيرته ، من دون أن يبحث أحد من الفئتين عن القاعدة الدينية في مجال الإمامة ، وأنّها هل هي التنصيص ، أو الشورى أو غيرهما ، وما هو الملاك فيها ؟ بل كانت هذه الأمور مغفولًا عنها يوم ذاك ، وكان الهدف هو تسنّم منصّة الخلافة وتداول كرتها بين أبنائهم وعشيرتهم ، حتى لو لم تكن حكومة الرسول حكومة دينية وكان الرسول قائداً بشرياً مات عنها ، لقام المهاجرون والأنصار بنفس ذلك الجدال ، وكلٌّ سعى إلى جرّ النار إلى قرصه . فما في أكثر الكتب الكلامية من تصوير الاختلاف في مسألة الإمامة ، اختلافاً كلامياً ناشئ عن النظر إليها فيما بعد السقيفة ، وأمّا إذا نظرنا إليها من منظار المهاجرين والأنصار ، فالاختلاف بينهم لم يكن نزاعاً كلامياً ودينياً بل سياسياً بحتاً ، مبنياً على تناسي النص ، وتصوير الخلافة الإسلامية كخلافة موروثة من القائد لُامّته ، وإلّا فلو كان النزاع على أساس دينيّ ، لما كان للاختلاف مجال ، وكفتهم هتافات الرسول في بدء الدعوة ، ويوم ترك المدينة لغزوة تبوك ، ويوم الغدير وغيرها . وإليك نماذج من بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين :